صراع العروش في سوس عندما التقى سيف الإمارة السملالية بحكمة زاوية أيداوزدغ

يحيى إيحيحي: الرجل الذي علم السوسيين معنى "لا" للـخضوع

يحيى إيحيحي ضد بوميعه عندما رفض "بطل سوس" الخضوع لأمراء إليغ

مطلع القرن السابع عشر الميلادي، وجد الأمير علي بن محمد بوميعه، أمير الإيالة السملالية وحفيد القطب الصوفي الكبير سيدي أحمد أوموسى (المعروف بأبي حسون السملالي)، نفسه جالساً في قصر إمارته بمدينة إليغ، يقلب طرفي الفكر وينتظر عودة الجوّاب. لم يكن الانتظار عادياً؛ فقد أرسل بوميعه رسالة رسمية إلى يحيى بن عبد الله إيحيحي في تارودانت – بطل معركة وصاحب النفوذ المتصاعد – يدعوه فيها إلى إعلان البيعة لقبائل جازوله وقبائل الجنوب الغربي لسوس، والدخول طوعاً تحت لواء إمارته.

كانت تلك الفترة الزمنية، أي أعقاب وفاة السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي سنة 1603 ميلادية، مسرحاً لفوضى عارمة. فقد تداعى بنيان الدولة السعدية بعد أن اقتتل أبناء السلطان الراحل (محمد الشيخ المامون، أبو فارس، وزيدان) على عرش الخلافة، وتمزقت البلاد بين طامع في الملك ومريد للزعامة، وانقسم المغرب إلى دويلات وإمارات متصارعة؛ فالزاوية الدلائية سيطرت على الأطلس المتوسط، وحركة العياشي ظهرت في زمور، بينما بسط السملاليون نفوذهم على أرض سوس.

لكن جواب يحيى إيحيحي لـ "بوعبيد بوميعه" لم يكن مجرد رد إداري، بل كان صاعقاً ومستفزاً، ومحفوظاً في الذاكرة التاريخية ببيات شعرية قاسية:

 "ⵜⵉⵔⵉⵜ ⴰⴷ ⴳⵖ ⵉⵙⵎⴳ ⴰⵜⵉⴳ ⵉⵏⵓ ⵢⴰⵜⵜⵓⵢ ⴼⵍⵍⴰⴽ ⵡⴰⵇⵉⵍⴰ ⵜⵔⵉⵜ ⵜⴰⴳⵍⴷⵉⵜ ⵙ ⵓⵔⴰⵡⵏ... ⵇⵇⵏⴹⴰⵙ ⴹⵉⴷ ⵉⵎⴰⵙⵙⵏ ⵏⵏⴽ ⵜⴰⵡⵉⵜ ⵜⴰⴳⵍⴷⵉⵜ ⵙ ⵡⴰⴼⵓⴷ"

"باغي نولي لك عبد، ومقامي عالي عليك، واقيلا أنت باغي الملك غير بالدعاء... غير جبد سيفك وخذ الملك صحة!"

بهذا الرد الحاسم، أُعلنت شرارة الصدام العنيف بين قوتين صاعدتين في جنوب المغرب: إمارة إليغ العسكرية والسياسية، وزاوية أيداوزدغ العلمية والروحية بقيادة رجل غير مجرى الأحداث. فمن هو يحيى إيحيحي؟ وما جذوره التاريخية؟ وكيف تداخلت أقداره مع مسار الدولة السعدية المنهارة؟

جذور الزاوية: من سفح أقاليم إيحاحان إلى جبال سوس

للإحاطة بشخصية يحيى إيحيحي وموقفه الصلب، لا بد من العودة إلى الجذور الأولى لأسرته المالكية وإيحيحي. ينحدر يحيى من عائلة عريقة يرتفع نسبها إلى الجد الأكبر داود بن خالد، الذي تُنسب إليه قرية "أيت الداود" في قبيلة أيدالبوزيا بإيحاحان، الواقعة على السفح الشمالي الغربي للأطلس الكبير الغربي.

تشير المصادر التاريخية، وفي مقدمتها إشارات العلامة المختار السوسي، إلى أن استقرار هذا الجد في المنطقة يعود تقريباً إلى القرن الثاني عشر الميلادي. وحوالي القرن السادس عشر، أسس أحفاده زاويتهم الشهيرة في إيحاحان على يد الشيخ سعيد عبد النعيم (والد يحيى إيحيحي).

لم يكن سعيد عبد النعيم فقيهاً عابراً، بل كان عالماً صوفياً وقائداً عسكرياً محنكاً. فقد كانت له زعامة روحية وميدانية واسعة وسط قبائل إيحاحان، وقاد صفوف المقاومة ضد البرتغاليين (الذين أسماهم المحليون "البردقيز") المتحالفين مع البدو بقيادة يحيى بن عفوفت، والذين طالما اعتدوا على السكان شمال إيحاحان وصولاً إلى مشارف مراكش. وتزامن هذا النفوذ المتصاعد للزاوية مع تأسيس الدولة السعدية على يد محمد بن عبد الرحمن القائم بامر الله سنة 1509 ميلادية.

وقد أثار هذا التوسع المخاوف المبطنة لدى السعديين من أن تتحول زاوية سعيد عبد النعيم في إيحاحان إلى شوكة في جنب الدولة الناشئة. بل إن بعض معاصري الشيخ، مثل الشيخ أحمد بن عبد الرحمن تيزركي، سألوه صراحة في رسائلهم التاريخية: "ياك ما أنت باغي الملك والولاية؟"

بعد وفاة سعيد عبد النعيم، خلفه ابنه عبد الله بن سعيد (والد يحيى إيحيحي). كان عبد الله قد سافر في شبابه إلى سوس في رحلة علمية زار خلالها جبال جزولة السوسية، بل وعُرف أنه أُرسل لتزروال للقاء القطب الصوفي الكبير سيدي أحمد أوموسى. وبعد سنوات، وفي خطوة استراتيجية بارزة، رحل عبد الله بن سعيد من زاوية أبيه في إيحاحان ليستقر في قلب قبيلة أيداوزدغ بسوس، وربما تم ذلك بمباركة أو مراقبة من السلطان السعدي عبد الله الغالب للحد من ثقل الزاوية الأصلي في إيحاحان.

تأسيس زاوية تافيلالت وعلامات المجد القادم

سنة 1557 ميلادية، أسس الشيخ عبد الله بن سعيد زاويته الجديدة في منطقة تحمل اسم تافيلالت، وسط قبيلة أيداوزدغ الواقعة على الحدود الشمالية لسوس، على بعد نحو 60 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي من مدينة تارودانت. بُنيت الزاوية في موقع جغرافي وعر وشامخ، بينما تجري تحتها مياه وادي خصيب كان يُعرف قديماً بـ "وادي القطران"، قبل أن يغير الشيخ اسمه إلى وادي العسل (أسيف أنتمت).

وتحكي الروايات الشعبية والتاريخية المحلية عن كرامات وتنبؤات رافقت تأسيس هذه الزاوية؛ إذ يُحكى أن شيخاً طاعناً في السن أتاه بعد أيام قليلة من الاستقرار ليبشره برؤيا رآها فيها عين ماء تفور من تحت شجرة نبك وتتحول طيور سوداء تشرب منها إلى طيور بيضاء، فأولها الشيخ بأن المنطقة ستشهد إقبالاً كثيفاً للناس الجاهلين بالدين ليتعلموا ويهتدوا.

وهناك في تافيلالت، تزوج الشيخ عبد الله بن سعيد بالسيدة عائشة بنت إبراهيم من أيدوزين، ورُزقا بمولودهما يحيى.

نشأ يحيى وترعرع في بيئة علمية محضة؛ فحفظ القرآن وتلقى العلوم الشرعية في زاوية أبيه، ثم سافر طالباً للعلم إلى حاضرتي العلم الكبريين فاس ومراكش. ومن الطرائف التاريخية الغريبة التي وثقتها الذاكرة تلك التي جمعت يحيى بزميل دراسته في بيت واحد بمدارس فاس، وهو الطالب الذي سيصبح لاحقاً ثائراً شهيراً: ابن أبي محلي، قبل أن تتقاطع أقدارهما مجدداً في التاريخ المغربي المضطرب.

كما تتلمذ يحيى على يد القطب سيدي أحمد أوموسى، وبعد وفاة شيخه سنة 1583 ميلادية، شد الرحال في رحلة علمية مشرقية واسعة جمعته بأعلام عصره مثل أحمد بابا التنبكتي وغيرهم، ليعود إلى الوطن محاملاً بالمعارف والعلوم، ويستقر إلى جانب أبيه في زاوية أيداوزدغ مدة تجاوزت ثلاثين سنة من التدريس والتأطير ونشر العلم بين سوس وتارودانت وأولاد تيمة.

سنة 1603: وفاة المنصور الذهبي وانفجار الصفتين

عام 1603 ميلادية، ضربت سوس وباءات جارفة حصدت أرواح الآلاف، وكان من أوزان الثقل الذين رحلوا في تلك السنة السلطان العظيم أحمد المنصور الذهبي، والشيخ عبد الله بن سعيد (والد يحيى إيحيحي) مؤسس زاوية أيداوزدغ.

وبوفاة المنصور، دخل المغرب في أتون حرب أهلية مدمرة بين أبنائه (محمد الشيخ المامون، أبو فارس، وزيدان)، حيث انقسمت البلاد جغرافياً وسياسياً: بايع أهل فاس الأمير زيدان، بينما اختار أهل مراكش أبا فارس، في حين ظل الأخ الأكبر محمد الشيخ المامون سجيناً بمكناس قبل أن يخرجه القيّد أحمد بن منصور العلج لتبدأ حرب الاخوة الضارية.

في خضم هذه الفوضى العارمة التي مسّت فاس، سجلماسة، درعه، مراكش، وتارودانت، برزت الزوايا والحركات السياسية كقوى إقليمية مستقلة تحمي مجالاتها الترابية وتملأ الفراغ السلطوي. وفي أقصى الجنوب، كانت إمارة إليغ السملالية تتمدد بقيادة بوميعه، بينما كانت زاوية أيداوزدغ بقيادة يحيى إيحيحي تتسع شعبيتها الدينية والروحية.

يقول المؤرخ الإفراني في كتابه نزهة الحادي واصفاً مكانة يحيى إيحيحي في تلك المرحلة:

"وكانت ليحيى شهرة عظيمة بالصلاح، واتباع كثيرون كوالده وجده..."

خاتمة الصراع وتداعياته على تاريخ سوس

كان رفض يحيى إيحيحي لبيعة بوميعه إعلاناً صريحاً بميلاد قوة جنوبية مستقلة بذاتها، لا تقبل الخضوع لإمارة إليغ العسكرية بسهولة، مستندة في ذلك إلى شرعية علمية، وزاوية راسخة الجذور، وحضوة كبيرة لدى قبائل أيداوزدغ والمناطق المجاورة لتارودانت.

لقد أدت هذه المواجهة بين بوميعه ويحيى إيحيحي إلى إعادة رسم خارطة التحالفات والحروب في سوس خلال النصف الأول من القرن السابع عشر، وكشفت كيف استطاعت الزوايا العلمية والصوفية أن تلعب دوراً سياسياً وعسكرياً لا يقل أهمية عن سلاح الأمراء والسلاطين. وبدل أن تنحني زاوية أيداوزدغ لعواصف السملاليين، ظلت شامخة برمزيتها، شاهدة على فترة حاسمة تحولت فيها جبال سوس وصحاريها إلى قلعة منيعة تصوغ تاريخ المغرب المستقل وتدافع عن سيادة قرارها المحلي حتى أطراف الزمن الجيوسياسي المضطرب.

Admin
Admin
تعليقات