كيف تحول فن "تكروبيت" إلى النبض الأول للأعراس والحفلات في سوس؟
شهدت الساحة الموسيقية فـ منطقة سوس العالمة فـ السنوات الأخيرة تحولاً فنياً فريداً تمثل فـ بروز لون موسيقي شبابي ساحر يُعرف بـ "تكروبيت" (Tagroupit / Takroupit). هذا الفن الموسيقي العصري، الذي يمزج بذكاء بين أصالة الإيقاعات الأمازيغية التقليدية والحيوية الشبابية الحديثة، أصبح هو السائد والمسيطر الأول على الأعراس السوسية، الحفلات، والمهرجانات بمدن سوس فـي الوسط المغربي كـ أكادير، تارودانت، تيزنيت، تفراوت، والصويرة.
فما هي أصول ظاهرة "تكروبيت" تشلحيت؟ وما هي السر الإيقاعي والموسيقي الذي يمنحها هاته القوة والحماس؟ ومن هم أبرز روادها ومشاهيرها الذين طوروا هذا التراث الأمازيغي ليخاطب وجدان الأجيال الجديدة؟
ما هي موسيقى "تكروبيت" تشلحيت؟ (المفهوم والأصول)
تُعتبر تكروبيت تشلحيت امتداداً عريضاً وتطويراً حديثاً لعدة ألوان غنائية سوسية عريقة، أبرزها فن "تاروا نـ الشيخ" و"أحواش" ونغمات "أغاني الروايس". كلمة "تكروبيت" مشتقة فـ العرف الموسيقي المحلي من كلمة (Group) أو المجموعات الغنائية، وتدل على الأداء الجماعي الحماسي الذي يعتمد على السرعة فـ الإيقاع والتفاعل المباشر مع الجمهور.
تتميز أغاني تكروبيت بخصائص فريدة تجعلها متمايزة عن باقي الأنماط الغنائية:
- الإيقاع السريع والحماسي: تعتمد على إيقاعات سوسية تصاعدية تحفز الحاضرين على الرقص والتعبير بالحركات الجسدية والتصفيق المنتظم.
- البساطة والقرب من الشباب: تعتمد كلماتها على عبارات من الحياة اليومية، الغزل، الحنين للأصل، والافتخار بالهوية الأمازيغية بلغة تشلحيت سلسة وقريبة من أذهان الشباب.
- المرونة الفنية: قدرتها الفائقة على إعادة توزيع الأغاني التراثية القديمة بأسلوب عصري يبعث فيها الحياة من جديد.
آلة "البانجو" (Banjo): العصب الرنان لموسيقى تكروبيت
لا يمكن الحديث عن جديد تكروبيت أو عزف تكروبيت تشلحيت دون الوقوف عند العرّاب والعمود الفقري لهذا اللون الموسيقي، وهو آلة البانجو (Banjo).
دخلت آلة البانجو إلى الموسيقى الأمازيغية فـ منتصف القرن الماضي، لكن عزافة منطقة سوس طوروا تقنيات عزف فريدة خاصة بـ "تشلحيت"، تجعل أوتار البانجو تخرج رنات سريعة ومرتجة تُعرف فـ الوسط الفني بـ "التقطاع" أو "التقسيم السوسي".
- الامتزاج مع الآلات الإيقاعية: يُعزف البانجو جنباً إلى جنب مع "الدف" (القتار)، "النواقيس" (الناقوس المعدني)، و"الدربوكة"، مما يخلق خلطة إيقاعية رهيبة تدفع الجماهير للرقص التلقائي.
- البانجو كمحرك للحماس: أصبحت السولوهات (Solo) الخاصة بآلة البانجو فـ مقاطع تكروبيت هي الجزء الأكثر انتظاراً فـ الأغنية، حيث يظهر العازف مهاراته السريعة فـ الانتقال بين النوتات.
رواد ومشاهير فن تكروبيت فـ منطقة سوس
ساهم فـ انتشار هذا اللون الموسيقي ورسوخه عدد من الفنانين والمجموعات الشبابية الذين اختاروا تكروبيت مساراً فنياً قائماً بذاته. هؤلاء الفنانون استطاعوا الانتقال بهذا الفن من جلسات الأحياء الشعبية إلى كبريات المنصات والأعراس الفخمة.
1. خالد الوعباني (Khalid El Waabbani)
يُعتبر الفنان خالد الوعباني من بين أبرز القامات والمشاهير الذين يبدعون فـ هذا اللون الموسيقي الشبابي. استطاع بفضل خامة صوته القوية وحضوره المسرحي أن يزرع الحماس والحيوية فـ صفوف الشباب. بفضل إصداراته المتميزة، أصبح الوعباني رقماً صعباً فـ سهرات الأعراس والمهرجانات السوسية، حيث يتقن مزج الأغاني التراثية برتم تكروبيت العصري.
2. المجموعات الغنائية الشبابية فـ سوس
إلى جانب الأسماء الفردية، تنشط عشرات الفرق والمجموعات الموسيقية فـ مدن مثل تيزنيت وتارودانت وأكادير. هذه الفرق تعتمد فـ هيكلتها على تناغم جماعي بين العازفين والمغنيين، مما جعل "تكروبيت" فن متاح ومطلوب جداً فـ السوق الفني.
تكروبيت فـ الأعراس والمناسبات السوسية: قلب الاحتفال النابض
تعتبر الأعراس الأمازيغية فـ سوس المسرح الحقيقي والبارومتر الشديد الأهمية لنجاح أي أغنية أو لون موسيقي. وفي السنوات الأخيرة، أصبحت فقرة "تكروبيت" هي الفقرة الرئيسية والأكثر طلباً فـ برنامج أي حفل زفاف سوسي.
- إضفاء جو الفرح والابتهاج: توفر موسيقى تكروبيت طاقة إيجابية هائلة فـ القاعات والحفلات، حيث يجتمع الحاضرون فـ حلقات رقص جماعية تثير البهجة والسرور.
- تجسيد الروح الجماعية: تعكس هذه الموسيقى القيم الأمازيغية النبيلة القائمة على التضامن، المشاركة، والتعبير الجماعي عن الفرح.
- التواجد الميداني: لا يكاد يخلو حفل فـ تفراوت، الصويرة، أيت ملول، أو بيوكرى من إيقاعات تكروبيت التي تستمر فـ إلهاب حماس الحاضرين حتى ساعات متأخرة من الليل.
تطور الفلكلور الأمازيغي: من التقاليد إلى "جديد تكروبيت"
إن السر فـ استمرارية التراث الأمازيغي وعدم اندثاره يكمن فـ مرونته وقدرته على التجدد. وفولكلور تشلحيت لم يكن يوماً مجرد متحف جامد، بل هو كائن حي يتطور مع كل جيل.
حماية الهوية والتراث
قد يرى البعض أن إدخال التوزيع الحديث والسرعة على الأغاني القديمة يغير من ملامحها، إلا أن الواقع يثبت العكس؛ فـ جديد تكروبيت ساهم بشكل مباشر فـ:
- ربط الناشئة بلغتهم الأم: الأجيال الجديدة أصبحت تحفظ الأغاني الأمازيغية القديمة وترددها بفضل توزيع "تكروبيت" العصري.
- انتشار واسع فـ المنصات الرقمية: حققت مقاطع تكروبيت تشلحيت ملايين المشاهدات على المنصات الرقمية، مما جعل السمعي البصري الأمازيغي يتجاوز الحدود الجغرافية.
مقارنة بين فن الروايس القديم وفن تكروبيت العصري
| وجه المقارنة | فن الروايس التقليدي | فن تكروبيت العصري |
|---|---|---|
| الآلة الرئيسية | الرباب الأمازيغي واللوتار | البانجو والقتار الإيقاعي السريع |
| طبيعة الإيقاع | هادئ إلى متوسط، يركز على القصيدة | سريع جداً وحماسي، يركز على الرقص |
| المواضيع | الحكمة، الشعر الطويل، والقضايا الاجتماعية | الحب الشبابي، حماس الأعراس، والتغني بالهوية |
| الجمهور الأبرز | الشيوخ وكبار السن بالأساس | الشباب والأجيال الصاعدة |
مستقبل موسيقى تكروبيت تشلحيت فـ المشهد الفني المغربي
مع استمرار إصدارات جديد تكروبيت بشكل دوري ودخول تقنيات التسجيل الحديثة فـ استوديوهات سوس، يتجه هذا اللون الموسيقي نحو ترسيخ مكانه كـ ماركة مسجلة لجهة سوس . إن الدعم الذي تحظى به هذه الموسيقى فـ المهرجانات الوطنية والإقليمية يؤكد أنها ليست مجرد موضة عابرة، بل هي نمط غنائي أصيل وُلد ليبقى ويتطور.
إن الاستماع إلى أنغام تشلحيت من خلال لون "تكروبيت" هو تجربة ثقافية وفنية فريدة تشدك إلى جذور التراث السوسي الأصيل، وتجعلك تتذوق جمالية اللغة الأمازيغية بأسلوب مفعم بالحياة والنشاط.

